جلال الدين السيوطي

114

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

رأيت في بعض المجاميع من كلام أبي محمد عبد الله بن بريّ على قول الشاعر : وأصفر من ضرب دار الملوك * تلوح على وجهه جعفرا ملخّصه : أنّ في « تلوح » روايتين : إحداهما رواية الفرّاء ، وهي الصحيحة ، أنّها بالتاء . ولا إشكال على نصب « جعفر » على هذه ، لأنه مفعول ب « تلوح » ، و « تلوح » بمعنى : ترى وتبصر ، نقول : لحت الشيء ، إذا أبصرته ، وهذا بيّن لا إشكال فيه ، ولا تعسّف في إعرابه . وأمّا الرواية الثانية ، وهي المشهورة ب « يلوح » بالياء ، ففيها إشكال ، فمن النحاة من قال : إنّه منصوب بإضمار فعل تقديره : اقصدوا جعفرا ، ومنهم من جعله من باب المفعول المحمول على المعنى من جهة أنّ « جعفرا » داخل في الرواية من جهة المعنى ، لأنّ الشيء إذا لاح لك فقد رأيته . وفي هذا المجموع سأل الإمام أبو محمد بن بريّ الإمام تاج الدين محمد بن عبد الله بن مكيّ الحمويّ عن قوله تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ سورة النساء ، الآية 4 ] كيف تكون نحلة ، والنّحلة في اللغة الهبة بلا عوض ، والصداق تستحقّه المرأة اتّفاقا لا على وجه التبرّع ؟ فأجابه بأنّه لما كانت المرأة يحصل لها في النكاح ما يحصل للزوج من اللذة ، وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة والمسكن ، كان المهر لها مجانا ، فسمّي نحلة . كذا ذكر أئمتنا ، وقال بعضهم : لما كان الصّداق في شرع من قبلنا لأولياء المنكوحات بدليل قوله تعالى : قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [ سورة القصص ، الآية 27 ] ثم نسخه شرعنا ، صار ذلك عطية انقطعت لها ، فسمّي نحلة . مسألة في جمع « حاجة » من كلام ابن بريّ « 1 » . قال : سألت ، وفقك الله لما يرضيه ،

--> ( 1 ) المسألة بتمامها في اللسان ، مادة ( حوج ) ، ووردت في حواشي ابن برّي على درة الغواص مختصرة . انظر : حواشي ابن بري وابن ظفر على درة الغواص في أوهام الخواص للحريريّ : 80 - 84 .